عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
248
اللباب في علوم الكتاب
و « قولا » إما مصدر مؤكد « 1 » ، وإما منصوب على الاختصاص « 2 » . قال الزمخشري : وهو الأوجه « 3 » و « مِنْ رَبٍّ » إما صفة ل « قولا » وإما خبر « سلام » كما تقدم . وقرأ القرظيّ « 4 » « سلم » بالكسر والسكون ، وتقدم الفرق بينهما في البقرة . فصل [ في المراد بقوله : « سلام » ] إذا قيل : بأن سلام بدل من « ما يَدَّعُونَ » فكأنه تعالى قال لهم ما يدعون ونبّه ببدله فقال : لهم سلام فيكون « 5 » مبتدأ وخبره الجار والمجرور كما يقال : « في الدّار رجل ولزيد مال » وإن كان في النحو ليس كذلك بل هو بدل وبدل النكرة من المعرفة جائز « 6 » ، فتكون « ما » بمعنى الذي معرفة ، وسلام نكرة . ويحتمل على هذا أن يقال : « ما » في قوله تعالى : ما يَدَّعُونَ لا موصوفة ولا موصولة بل هي نكرة تقديره لهم شيء يدّعون ، ثم بين بذكر البدل فقال : « سلام » . والأول أصحّ . وإن قيل : سلام خبر « ما » و « لهم » لبيان الجهة فتقديره ما يدعون سلام لهم أي خالص لهم . والسّلام بمعنى السالم والسليم ، يقال : عبد سلام أي سليم من العيوب كما يقال : لزيد الشّرف متوفر فالجارّ والمجرور يكون لبيان من له ذلك ، و « الشرف » هو المبتدأ « ومتوفر » خبره ، وإن قيل : « سلام » منقطع عما قبله وهو مبتدأ وخبره محذوف فتقديره : سلام عليهم ويكون ذلك إخبارا من اللّه تعالى في يومنا هذا كأنه تعالى حكى لنا وقال : إنّ أصحاب الجنة في شغل ، ثمّ لمّا بين كمال حالهم قال : سلام عليهم كقوله تعالى : سَلامٌ عَلى نُوحٍ و سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ فيكون اللّه تعالى أحسن إلى عباده المؤمنين كما أحسن إلى عباده المرسلين . أو يقال تقديره : سلام عليكم ويكون التفاتا حيث قال لهم كذا وكذا ، ثم قال : « سلام عليكم » « 7 » .
--> ( 1 ) التبيان والكشاف والإعراب للنّحّاس 3 / 402 والمشكل 2 / 231 . ( 2 ) وهو قول الزمخشري . ( 3 ) كشافه 3 / 327 . ( 4 ) هو محمد بن كعب بن سليم أبو حمزة القرظيّ تابعيّ ، روى عن فضالة بن عبيد وغيره مات سنة 120 ه . انظر : غاية النهاية 133 / 2 . وقد ذكر قراءته ابن جني في المحتسب 2 / 214 وهي من الشواذ وذكر المؤلف هناك في البقرة الفرق بين السّلم والسّلم عند الآية 208 ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وبين هناك أن السّلم - بالكسر - هو السلام وبالفتح الصلح أو أنهما بمعنى . اللباب 1 / 420 . ( 5 ) أي سلام وخبره الجار والمجرور ويكون في المعنى . ( 6 ) هذا رأي الجمهور فقد قال السيوطي في الهمع : والجمهور لا تجب موافقة البدل لمتبوعه في التعريف والإظهار وضدهما فتبدل النكرة من المعرفة والمضمر من المظهر والمفرد من غيره وبالعكوس كقوله تعالى : إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . صِراطِ اللَّهِ . لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ . ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ . ( 7 ) وهذا كلام الإمام فخر الدين الرازي كله في تفسيره الكبير 26 / 94 من كون رفع « سلام » واتصاله بما قبله وانقطاعه ومن كون إعراب « ما » ونوعيتها وقد أوضحته قبل قليل بالتفصيل من كلام المؤلف نفسه وغيره مما اعتمد عليهم في آرائهم . والآيتان سَلامٌ عَلى نُوحٍ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ، من الصافات الأولى 79 ، والثانية 181 .